محمد أبو زهرة

1735

زهرة التفاسير

أن يكون بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم إلا ظالما ، حكمه فيه طغيان كثير ؛ لأنه لا يعتمد على قانون منظم للحقوق والالتزامات . وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً وإذا كان الله تعالى قد أمرهم أن يكفروا بحكم الهوى والغرض والظلم وبحكم الأوهام والكهنة ، واختاروا هم الاحتكام إلى طاغية من طغاتهم ، أو كاهن من الكهان ، فقد كان ذلك بوسوسة الشيطان المضل في نفوسهم ، وهو لا يريد لهم إلا العدول عن الخط المستقيم . فالضلال هو العدول عن الخط المستقيم ، سواء أكان ذلك في المعنويات أم كان في السير الحسى . ومن عدل عن الطريق المستقيم واستمر في غيره ، فهو كمن بعد عن الطريق السوى ، وسار في متاهات ، كلما أمعن بعد . وهؤلاء قد ابتدءوا بالنفاق ، فكلما وسوس لهم شيطانهم بالباطل أبعدهم عن الحق وعن طريقه . فمعنى يضلهم ضلالا بعيدا يبعدهم عن الحق الذي ابتدءوا باجتنابه ، فصاروا كمن يوغلون في متاهات من الأرض ، كلما أوغلوا زادوا بعدا عن الطريق المستقيم . وإن هذا النص يومئ إلى أنه لا يتفق مع الإيمان الصادق أن يتحاكم المؤمن إلى غير النظام الذي يقرره القرآن والسنة . ويومئ النص أيضا إلى أن كل تحاكم لغير شريعة الله تعالى وما تقرره من أحكام ، هو تحاكم إلى طغيان كبير لا يقوم الحكم فيه إلا على الهوى . ألم تر كل النظم التي تحكم بغير القرآن لا تعاقب الزاني ، ولا تعتبر فعله جريمة إلا إذا كان فيه اعتداء على الزوجية أو اغتصاب ، أو زنى بقاصرة ! وأي طغيان وهوى أعظم من ذلك جرما ؟ ! ويومئ النص كذلك إلى أن من يرفض حكم القرآن يخضع لحكم الشيطان ، ويضل به ضلالا ، كلما سار فيه بعد عن الحق المبين : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً إذا قيل لهؤلاء الذين ضعف إيمانهم فلم يذعنوا للحق ، ولم يخضعوا لحكم الله : تعالوا وأقبلوا على الخضوع لله تعالى ولحكمه - رأيت الذين اتسموا بالنفاق منهم يعرضون عنك إعراضا شديدا ؛ وذلك لأنهم لمرض النفاق في قلوبهم